الجزء I · الأسس: فهم الذكاء الاصطناعي قبل النماذج اللغوية الكبيرة

في الأصول: من حلم الآلات الذاتية الحركة إلى العصبون الاصطناعي

الفصل 19 دقيقة قراءةآخر تحديث: سبتمبر 2026

1.1الحلم القديم بالآلة المفكرة

أما أول معلم علمي بالمعنى الحقيقي فقد وضعته شخصيتان بريطانيتان من القرن التاسع عشر. فقد صمم تشارلز بابيج «الآلة التحليلية»، وهي حاسبة ميكانيكية قابلة للبرمجة لم تكتمل في حياته، لكنها كانت تحمل منذ ذلك الحين المكونات المفاهيمية للحاسوب. وكتبت عالمة الرياضيات آدا لوفلايس عام 1843 ما يعد في الغالب أول خوارزمية أعدت لتنفذها آلة. وصاغت لوفلايس كذلك اعتراضا شهيرا: فالآلة، بحسب مضمون قولها، لا تستطيع أن تفعل إلا ما تؤمر بفعله؛ وليس في وسعها أن تبدع شيئا أصيلا. وسيظل «اعتراض لوفلايس» هذا موضع نقاش طوال قرن ونصف، والإبداع الظاهري لأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2026 يضفي عليه بعدا جديدا.

1.2تورينغ وولادة سؤال

أدرك تورينغ أن هذا السؤال مطروح على نحو خاطئ، لأننا لا نعرف كيف نعرّف «التفكير». فاستعاض عنه باختبار عملي هو لعبة المحاكاة، التي اشتهرت باسم اختبار تورينغ: إذا حاور إنسان آلة عن طريق الكتابة من دون أن يراها، ولم يستطع أن يميزها عن إنسان آخر، فإن الإنصاف يقتضي أن نقر لها بضرب من الذكاء. وهكذا نقل تورينغ النقاش من سؤال «ما التفكير؟» (وهو سؤال لا حل له) إلى سؤال «أي سلوك مشاهَد نقبله دليلا؟» (وهو سؤال قابل للاختبار).

1.31956: دارتموث، شهادة الميلاد

وبدا أن النجاحات الأولى تؤيد ما ذهبوا إليه. فمنذ عام 1956 برهن برنامج Logic Theorist، الذي وضعه ألن نيويل (Allen Newell) وهربرت سايمون (Herbert Simon)، على مبرهنات في المنطق. وفي عام 1958 بنى عالم النفس فرانك روزنبلات (Frank Rosenblatt) البيرسيبترون (Perceptron)، وهو آلة مستوحاة من العصبون البيولوجي قادرة على تعلم التعرف على أشكال بسيطة. واشتعلت الصحافة حماسة: فبشرت بآلات ستمشي وتتكلم وتمتلك وعيا. وهذا الإفراط في التفاؤل، المتكرر في تاريخ الذكاء الاصطناعي، مهد للسقوط.

الشكل1.1. العائلتان الكبريان في الذكاء الاصطناعي. تاريخ الأعوام الستين الأولى هو تاريخ المواجهة بينهما؛ وانتصار الثانية، ابتداء من عام 2012، يفسر الذكاء الاصطناعي كما نعرفه اليوم.

1.4الذكاء الاصطناعي الرمزي: الاستدلال بالقواعد

ومن النجاحات البارزة: DENDRAL (ستينيات القرن العشرين) الذي يتعرف على البنى الكيميائية؛ وMYCIN (سبعينيات القرن العشرين) الذي يشخص حالات عدوى الدم ويوصي بالمضادات الحيوية، وأحيانا على نحو أفضل من الأطباء المبتدئين. وفي ثمانينيات القرن العشرين استثمرت الشركات بكثافة في هذه التقنية.

وبلغ تصور معين للاستدلال بالقوة الغاشمة أوجه عام 1997، حين هزم حاسوب Deep Blue من IBM بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف. لكن لننتبه: Deep Blue لا «يتعلم» شيئا. إنه يستكشف ملايين الوضعيات في الثانية بفضل قواعد كتبها بشر. هذا إنجاز هندسي باهر، لا ذكاء عام: فهو عاجز عن لعب الداما من دون أن تعاد برمجته بالكامل.

1.5«شتاءات الذكاء الاصطناعي»

1.6عودة الاتصالية

لكن الفكرة جاءت قبل أوانها: ففي ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته كان النقص فادحا في الوقودين اللذين لا غنى عنهما: البيانات (فالإنترنت لم تكن قد انتشرت بعد على نطاق واسع) والقدرة الحاسوبية (فالحواسيب كانت بطيئة جدا). والرواد، مثل جيفري هينتون في كندا، ويان لوكون (وهو فرنسي طبق الشبكات على قراءة الشيكات المصرفية)، ويوشوا بنجيو، كانوا يحرثون حقلا لن يؤتي ثماره إلا بعد عقود. وسيلقبون، بعد زمن طويل، بـ«عرابي التعلم العميق».

واجتماع هذه العناصر الثلاثة، في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سيحدث انفجارا يرويه الفصل التالي بالتفصيل.


خلاصة الفصل (الفصل 1)

  • الذكاء الاصطناعي وريث حلم عمره آلاف السنين، صار علما عام 1956 في دارتموث.
  • تتواجه فلسفتان: الذكاء الاصطناعي الرمزي (قواعد صريحة) والذكاء الاصطناعي الاتصالي (التعلم بالشبكات العصبية).
  • هيمنت المقاربة الرمزية حتى ثمانينيات القرن العشرين، وحققت نجاحات (الأنظمة الخبيرة، Deep Blue عام 1997)، لكن حدودها كانت قاتلة: الهشاشة وكلفة الترميز اليدوي للمعارف.
  • تذكرنا «شتاءات الذكاء الاصطناعي» بأن الفجوة بين الوعود والواقع لها دائما ثمن.
  • انبعثت الاتصالية من جديد مع الانتشار الخلفي (1986)، لكن كان عليها أن تنتظر البيانات والحساب في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين كي تنتصر.

في الفصل التالي نكشف عما يجري في داخل هذه المقاربة الاتصالية: كيف «تتعلم» الآلة، عمليا، من الأمثلة؟